عبد الرحمن السهيلي
47
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
فصل : وفي هذا الحديث من المعاني أن يقال : كيف جعل أبو بكر يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكف عن الاجتهاد في الدعاء ، ويقوي رجاءه ويثبته ، ومقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقام الأحمد ويقينه فوق يقين كل أحد ، فسمعت شيخنا الحافظ رحمه الله يقول في هذا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف ، وكان صاحبه في مقام الرجاء ، وكلا ، المقامين سواء في الفضل ، لا يريد أن النبي والصديق سواء ، ولكن الرجاء والخوف مقامان لا بد للإيمان منهما ، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء لله ، والنبي عليه السلام كان في مقام الخوف من الله ، لأن لله أن يفعل ما شاء ، فخاف أن لا يعبد الله في الأرض بعدها ، فخوفه ذلك عبادة . وأما قاسم بن ثابت ، فذهب في معنى الحديث إلى غير هذا ، وقال : إنما قال ذلك الصديق مأويةً للنبي عليه السلام ورقةً عليه ، لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه ، فقال له : بعض هذا يا رسول الله ، أي : لم تتعب نفسك هذا التعب ، والله قد وعدك بالنصر ، وكان رقيق القلب شديد الإشفاق على النبي صلى الله عليه وسلم . جهاد النبي في المعركة : قال المؤلف : وأما شدة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ونصبه في الدعاء فإنه رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار ، وأنصار الله يخوضون غمار الموت . والجهاد على ضربين : جهاد بالسيف ، وجهاد بالدعاء ، ومن سنة الإمام أن يكون من وراء الجند لا يقاتل معهم ، فكان الكل في اجتهاد وجد ، ولم يكن ليريح نفسه من أحد الجدين والجهادين ، وأنصار الله وملائكته يجتهدون ، ولا ليؤثر الدعة ، وحزب الله مع أعدائه يجتلدون . المفاعلة ومعناها : وقوله : بعض مناشدتك ربك ، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين والرب لا ينشد عبده ، فإنما ذلك لأنها مناجاة للرب ، ومحاولة لأمر يريده ، فلذلك جاءت على بناء المفاعلة ، ولا بد في هذا الباب من فعلين لفاعلين ، إما متفقين في اللفظ ، وإما متفقين في المعنى ، وظن أكثر أهل اللغة أنها قد تكون من واحد نحو : عاقبت العبد وطارقت النعل ، وسافرت ، وعافاه الله ، فنقول : أما عاقبت العبد فهي معاملة بينك وبينه ، عاملك بالذنب ، وعاملته بالعقوبة ، فأخذ لفظها من العقوبة ، ووزنها من المعاونة ، وأما طارقت النعل ، فمن الطرق وهو ألفوه ، فقد قويتها وقوتك على المشي ، فلفظها من الطرق ، وبناؤها على وزن المعاونة والمقاواة ، فهذا اتفاق في المعنى ، وإن لم يكن في اللفظ ، وأما سافر الرجل فمن سفرت : إذا كشفت عن وجهك ، فقد سفر لقوم ، وسفروا له ، فهذه موافقة في اللفظ والمعنى ، وأما المعافاة ، فإن السيد يعفي عبده من بلاء فيعفى العبد سيده من الشكوى والإلحاح ، فهذه موافقة في اللفظ ، ثم تضاف إلى الله سبحانه اتساعاً في الكلام ، ومجازاً حسناً . العصب والعصم : فصل : وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا جبريل على ثناياه النقع ، وهو الغبار وفي حديث آخر أنه قال : رأيته على فرس له شقراء ، وعليه عمامة حمراء ، وقد عصم بثنيته الغبار ؛ قال ابن قتيبة : عصم وعصب بمعنى واحد ، يقال : عصب الريق بفيه ، إذا يبس وأنشد : * يعصب فاه الريق أيّ عصب * وخالفه قاسم بن ثابت ، وقال : هو عصم من العصيم والعصم ، وهي كالبقية تبقى في اليد وغيرها من لطخ حناء أو عرق أو شيء يلصق بالعضد ، كما قالت امرأة من العرب لأخرى : أعطني عصم حنائك ، أي ما سلتت من حنائها ، وقشرته من يدها .